الكهول والشباب في تجربة “المجلس الاعلى”

بقلم : باقر الزبيدي

لازال التاريخ شاخصا امامي وانا افتتح اول مقال لي بعد انسحاب رئيس المجلس الاعلى من الهيئة القيادية ولازالت التجربة السياسية والعسكرية والميدانية لهذا التنظيم الاسلامي والوطني امامي وكانني امام تجربة حدثت البارحة “لنقاوة تاريخها وطهارته” ولم تكن حدثت قبل اكثر من 35 عاما من الان.
كنا في تلك المرحلة شبابا وكان معنا كهول التجربة الاسلامية العراقية انذاك وهم من تاسس المجلس الاعلى بهم وشكل هيئته القيادية الاولى التي سميت انذاك ” الشورى المركزية” وهم الشيخ المرحوم البشيري والشيخ الاصفي والشيخ محمد مهدي الناصري والسيد محمد باقر الحكيم والسيد محمود الهاشمي والسيد علي الحائري وكان من بينهم افندي مدني واحد هو الدكتور ابراهيم الجعفري.
ادركت قيادة الثورة الاسلامية الايرانية ان المعارضة الاسلامية العراقية لابد لها من مظلة وتمثيل سياسي جامع لشرائط ادارة القضية العراقية فكان ” المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق” بقيادته التي كانت ممثلة بالشباب والشيوخ ولم تكن الثورة الايرانية تعبأ كثيرا بهذا التصنيف السلبي” الدخيل” على تجربة العمل الاسلامي والوطني الشباب والشيوخ انما كانت تؤمن ان المعارضة الاسلامية العراقية هي كتلة واحدة مهما تباينت احزابها وتوجهاتها الحركية والتنظيمية ولابد من دعمها لتصل الى اهدافها الوطنية المعروفة.
تناسل عن هذه القيادة التي ضمت الشباب والشيوخ جيل من المحاربين فيما عرف تاليا “فيلق بدر” وهم من الشباب والشيوخ وانا من الذين عاصرت شيوخهم وشبابهم في الكثير من محطات العمل العسكرية والثورية ولم نكن نشعر ايضا ان زمنا سياتي بعدنا سيصنف فيه المجاهدون والعاملون للاسلام وقضيته العراقية الى شيوخ وشباب.
كنا نتأسى بتجربة السلف الصالح ممامر في تجربة الاسلام الاولى ” الخلافة الراشدة” رغم كم الملاحظات الفكرية والمعرفية والتاريخية والرسالية الكبيرة المثبتة عليها لكن اقول ان تجربة الاسلام الاولى كان قادها الشيوخ والشباب ايضا كما جرى الامر في المجلس الاعلى بدايات التاسيس في 17 تشرين اول عام 1982 واعتبر تجربة تاسيس المجلس شبيهة وقريبة لتجربة الخلافة لانها ضمت الشيوخ والشباب في ادارة المجتمع والثورة ومرحلة مابعد وفاة النبي حيث الحكم خاضعا للاجتهاد البشري وادارة الامة على اساس اصلح الخيارات واكثرها رصانة فلم تجد التجربة الاولى غير علي رايا رصينا ومشروعا فذا في ادارة الحياة وتاليا لم تجد تجربة المجلس الاعلى غير شهيد المحراب اية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم قائدا جسورا واماما للرساليين من المقاتلين الشيوخ والشباب.
كنا نتأسى ايام الجهاد بشهداء المجلس الاعلى وشهداء الحركة الاسلامية من الشيوخ ونربي ابنائنا في الحركة الاسلامية وشبابنا على روح حبيب بن مظاهر الاسدي وبرير بن خضير وشيوخ الطف الاخرين من جيل الثورة الحسينية لانهم قاعدة الثورة ونبالة المشروع والقدوة والقادة في طريق ذات الشوكة.. شوكة الدكتاتورية وصراعنا الابدي مع الاستبداد.
ان مصطلح الشيوخ والشباب كما كنا نتعامل معه ايامذاك لم يكن واردا لافي ادبياتنا السياسية ولا في الممارسة السياسية في المجلس بل كنا يدا واحدة على من سوانا وكنا كتلة فكرية وجماعة مؤمنة واحدة وربما كان مصطلح الجماعة المؤمنة الذي اشاعه شهيد المحراب في الثمانينات وصفا لجماعة الثورة والمعارضة والعمل الاسلامي العراقي هو التوصيف الحقيقي للمجلس وجماعته واهله الحقيقيين وكل المصطلحات التي وفدت وتسللت بعد هذه التجربة المديدة من العطاء والبذل وقوافل الشهداء واخرهم شيخ المجلس وكهله وسيده شهيد المحراب الا مؤامرة على المشروع واستهدافا لتاريخ الامامة والخلافة والاسلام ورسالته.
الذي حدث اخيرا هو فصل منهجي بين جماعة مؤمنة بخياراتها الرسالية واخرى تحاول اعمال السيف في وحدة الجماعة المؤمنة رغبة منها في تصنيف الامة الى ابيض واسود رمادي واحمر شاب وشيخ ولم تكتف تلك الجماعة بالتصنيف السلبي الوارد في الادبيات والتبليغ الاعلامي والسياسي هذه الايام بل ذهبت الى ابعد من ذلك عبر القول ان التاريخ والتطور النوعي للعمل السياسي يقتضي ازاحة جيل الشيوخ واحلال الشباب محله!.
حين كنا شبابا اي في الفترة التي تلت تاسيس المجلس الاعلى لم نكن نفكر بالتامر على شيوخ المجلس وهم اولى الناس بالطاعة والاحترام والتقدير لانهم العنوان الاول والواجهة والقادة الذين قدمناهم على انفسنا امام نظام صدام والمجتمع العربي والدولي ونجحنا بهم في ايصال رسالة الثورة العراقية ونجحنا بهم في اسقاط صدام.
مااخشاه ان هذا المشروع الذي يعمل على ازاحة الشيوخ عن مسارات التصدي والقيادة والعمل الوطني ان يكون همه وغاية اهدافه اسقاط الشيوخ والقضاء على كل مايمت بصلة لشهيد المحراب باعتباره الكهل الاول فيه مثلما اشتغلت الاموية باسم العروبة وتقاليد ومقتضيات الحاكمية العربية على قتل علي في المحراب!.
رسالتي للامة وشعبنا العراقي الكريم تكمن بالتالي:
نحن في المجلس الاعلى عدنا كما نحن في السابق قيادة موحدة لايستطيع احد زحزحتها عن قرار الاستمرار في مشروع المشاركة بادارة الحكومة والمجتمع او منعها من ممارسة مسؤولياتها الرسالية كجماعة مؤمنة في الامة لكننا نرى ان ماساد من مفاهيم معوجة واساليب بعيدة عن روح العمل الاسلامي والوطني سيؤمن الطريق امام الافكار العشوائية باسم عبور الطائفية والكتل الكونكريتية بينما برهنت الاسابيع الماضية ان “الازاحة” لم تستطع ازاحة مابنته التجربة الاسلامية السابقة من افكار وقواعد جماهيرية كبيرة بدليل مانشهده يوميا من اقبال جماهيري واسع النطاق على المجلس بل ازاحت في الحقيقة لافتة المجلس على الجدار الكونكريتي في ساحة الحرية ووضعت مكانها لافتتها السياسية الجديدة وفات اصحاب الازاحة ان الزمن ثبت عنوان الكهول بالكونكريت في النفوس وفي كتاب التاريخ.
ان المجلس الاعلى مشروع وطني يستوعب الافكار والاعمار على اختلافها مثل الرسالة الاسلامية الاولى التي ضمت شيوخ الاسلام من الكهول مثلما ضمت الشباب الذين كانوا قواعد بناء الدولة وحماة الرسالة في المدينة.
سيبقى غسيل الملائكة في معارك الاسلام الاولى الرمز والقائد والقدوة والكتاب الاول للتضحية والفداء والفناء في الرسالة والرسول وسيبقى حبيب بن مظاهر الاسدي حبيبنا وسيدنا وصاحب الحسين في معركة الثورة على الطاغوت.
ماجرى في الفترة الماضية ان جيلا غريبا على الروح الاسلامية اراد استهداف حبيب بن مظاهر في قبره بحجة الدفاع عن حق الشباب في ادارة الحياة والدولة والمجتمع ولن نتردد في وصف من يستهدف المجلس بالمحاولة البائسة في فصل حبيب بن مظاهر عن الحسين او علي وحقه في الخلافة ومن يستهدف عليا انما يتقمص دور الخليفة المسؤول دون حق كما جرى الامر بعد وفاة النبي ويجري اليوم بعد استشهاد السيد محمد باقر الحكيم!.

SHARE